محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إليه من قبلتهم واستقبالها . وأما قوله : وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فإنه يعني بقوله : وما اليهود بتابعة قبلة النصارى ، ولا النصارى بتابعة قبلة اليهود فمتوجهة نحوها . كما : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي : وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ يقول : ما اليهود بتابعي قبلة النصارى ، ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود . قال : وإنما أنزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حول إلى الكعبة ، قالت اليهود : إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده محمد صلى الله عليه وسلم ، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر فأنزل الله عز وجل فيهم : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ إلى قوله : لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ حدثنا يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ مثل ذلك . وإنما يعني جل ثناؤه بذلك وما بعضهم بتابع قبلة بعض أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة مع إقامة كل حزب منهم على ملتهم ، فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد لا تشعر نفسك رضا هؤلاء اليهود والنصارى ، فإنه أمر لا سبيل إليه ، لأَنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لك إلى إرضاء كل حزب منهم ، من أجل أنك إن اتبعت قبلة اليهود أسخطت النصارى ، وإن اتبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود ، فدع ما لا سبيل إليه ، وادعهم إلى ما لهم السبيل إليه من الاجتماع على ملتك الحنيفية المسلمة ، وقبلتك قبلة إبراهيم والأَنبياء من بعده . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ . . . الظَّالِمِينَ يعني بقوله جل ثناؤه : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ ولئن التمست يا محمد رضا هؤلاء اليهود والنصارى الذين قالوا لك ولأَصحابك : كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا فاتبعت قبلتهم يعني فرجعت إلى قبلتهم . ويعني بقوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ من بعد ما وصل إليك من العلم بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل وعلى عناد منهم للحق ، ومعرفة منهم أن القبلة التي وجهتك إليها هي القبلة التي فرضت على أبيك إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل التوجه نحوها ؛ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ يعني أنك إذا فعلت ذلك من عبادي الظلمة أنفسهم ، المخالفين أمري ، والتاركين طاعتي ، وأحدهم وفي عدادهم . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أحبار اليهود وعلماء النصارى . يقول : يعرف هؤلاء الأَحبار من اليهود والعلماء من النصارى أن البيت الحرام قبلتهم وقبلة إبراهيم وقبلة الأَنبياء قبلك ، كما يعرفون أبناءهم . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يقول : يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قول الله عز وجل : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يعني القبلة . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ عرفوا أن قبلة البيت الحرام هي قبلتهم التي أمروا بها ، كما عرفوا أبناءهم . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يعني بذلك الكعبة البيت الحرام . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يعرفون الكعبة من قبلة الأَنبياء ، كما يعرفون أبناءهم . حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ قال : اليهود يعرفون أنها هي القبلة مكة . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، قال : قال ابن جريج في قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ قال : القبلة والبيت . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يقول جل ثناؤه : وإن طائفة من الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى . وكان مجاهد يقول : هم أهل الكتاب . حدثني محمد بن عمرو يعني الباهلي ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بذلك . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح مثله .